أخلاقيات المقارنة المرجعية

الكاتب : 
د/غادة حمزة الشربينى
مستشار بعمادة التطوير الأكاديمي والجودة

 

   قديما قالوا: "كل الطرق تؤدى إلى روما",  "All Roads Lead to Rome" , فهل هذا يعنى أن كل من سلك أحد هذه الطرق يصل إلى روما؟ وهل كل من وصل إلى تلك الوجهة قد استغرق الوقت نفسه والسرعة والطريقة نفسها, أم أن هناك تفاوت في الزمن والجهد والطريقة؟ وعليه إذا افترضنا أن روما هي الهدف المراد الوصول إليه, إذن ينبغي أن نطرح على أنفسنا التساؤلات التالية: أين نحن الآن من الهدف؟ وكيف نصل إليه؟ ومن الذى سبق له الوصول إلى الهدف؟ وكيف وصل؟ وأين نحن الآن ممن وصل إلى الهدف؟

 

                                                                                                                   

       

   ولعل مفتاح الإجابة عن هذا التساؤلات هو المقارنة المرجعية فمن خلالها يتم اكتشاف وفهم ممارسات السابقين التي لا تساعدنا في الوصول إلى أهدافنا فحسب, بل في التميز عنهم إن أردنا ذلك, وإذا كانت المقارنة المرجعية قد بدأت في القرن التاسع عشر وارتبطت في أول ظهور لها بالمساحات ثم انتقلت إلى مجال الصناعة, فأنها الآن لم تعد حكرا على مجال دون غيره, وإنما صارت مترابطة ومتداخلة مع العديد من المنظمات والمؤسسات, بوصفها جزءا من طريقة بقائها في وضع تنافسي مرغوب فيه .

   والمتأمل لإجراءات المقارنة المرجعية يجد أنها تقوم  على رصد مجموعة من التأديات في ضوء مؤشرات معينة, بهدف تحديد الفجوة بين الواقع والمستهدف, ومن ثم إجراء التحسينات اللازمة, ولضمان تحقيق الهدف من المقارنة المرجعية  فإن عملية  الرصد هذه لابد وأن تخضع للالتزام بقواعد وأخلاقيات تحدد مدى صحتها وصحة نتائجها, وقد يعتقد البعض أن عملية المقارنة طالما تعتمد على مؤشرات أداء محددة  فلا مجال هنا للحديث عن الأخلاقيات, وهنا أود الإشارة إلى أن أخلاقيات المقارنة المرجعية هي أخلاقيات تطبيقية, بمعنى أنها ترتبط بسلوك الفرد عند التعامل مع المسائل الأخلاقية.

 

 

    ولعل الجميع يلحظ تزايد الطلب على العمليات الأخلاقية في المؤسسات المختلفة في الآونة الأخيرة, فكما تحدد المؤسسة رؤيتها ورسالتها وأهدافها, تحدد أيضا الإطار الأخلاقي لها أو القيم التي تعد موجهات لسلوك أفرادها نحو الوصول إلى الهدف وتحقيقه, وليس هذا فحسب وإنما يسبق ذلك كله التوجيهات القرآنية, كقوله تعالى : "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون"  (سورة التوبة, آية : 105), والتوجيهات النبوية كقول نبينا الكريم محمد صل الله عليه وسلم : "إنما بعثت متمما لمكارم الأخلاق", وفى ذلك دعوة للتمسك  بالخلق الحسن والقويم والتعامل وفقا له, وعليه يصبح من الضروري التعرف إلى أخلاقيات المقارنة المرجعية  والتي تتضمن الآتي:

  1. الالتزام والمسئولية : في الغالب ما تقوم المقارنة المرجعية (الخارجية) على عقد تحدد فيه حقوق وواجبات كل طرف من الأطراف, وعليه يصبح كل طرف من الأطراف ملتزما ومسؤولاً عن تنفيذ بنود هذا العقد , هذا بالإضافة إلى عدم التوسع في استخدام نتائج المقارنات لصالح مؤسسات أخرى الا إذا كان هناك ما ينص أو يسمح بذلك.

  2. النزاهة والشفافية : وتعنى وضوح الغرض من استخدام البيانات وغالبا ما يكون الغرض من المقارنة المرجعية الارتقاء بوضع  المؤسسة الحالي وتحقيق التنافسية مع المؤسسات المماثلة.

  3. الأمانة والمصداقية: خاصة في تبادل البيانات أو المعلومات المطلوبة والمنصوص عليها في العقد ,ويفضل أن تكون البيانات المطلوبة من نفس النوع  ومن جانب الطرفين , وأن لا يتم استخدام نتائج المقارنة المرجعية لأغراض التشويه أو التسويق, وإنما يجب الحفاظ على سرية والمعلومات بوصفها خصوصيات للمؤسسة أو الأفراد .

  4. الاحترام المتبادل: في التعاملات والاتصالات واحترام ثقافة الآخر واحترام الوقت المحدد للمقارنة المرجعية فلا يجوز إغفال التوقيتات المحددة للوفاء بكل بند كعدم تزويد الطرف الآخر بالمعلومات في الوقت المتفق عليه ,أو عدم استكمال المقارنة المرجعية إلى النهاية.

  5. الاحتواء: ويعنى تفهم كل طرف للآخر وللطريقة التي يرغب أن تتم  بها المقارنة المرجعية.

      وختاما إذا كان جمع المعلومات عبر عملية المقارنة المرجعية ضرورة للتطوير والتحسين وسمة للمؤسسات الديناميكية ,فإنه من الضروري أن يتم ذلك بعناية وبقدر من التحلي بالأخلاق.