تاريخ الجودة

الكاتب : 
د. علي سعيد القحطاني
وكيل كلية الطب للشئون السريرية

الجودة خاصية من الخصائص البشرية مرتبطة بطبائع الناس وذات تأثير على سلوكهم وتصرفاتهم منذ نشأتهم الأولى، فكل فرد من البشر يرغب ويسعى ليعيش حياة باسمةً خاليةً من المعكرات يهنأ فيها بالطعام اللذيذ واللباس الحسن والصحة الجيدة والمسكن المريح والأسرة السعيدة والذرية الصالحة والعمل المربح والأصدقاء الأوفياء والسمعة الطيبة، وكلما تحقق له هدف تقدم لنيل آخر أفضل منه، مستمرا دومًا في مشواره تجاه التحسين والتطوير ...

فالجميع إذًاً يمارسون الجودة وينشدونها دون ما يشعرون أنهم يمتلكون حقيقة في أيديهم وعلمًا قائما بذاته إستغرق من الرواد والباحثين حقبة طويلة لتصنيفه ومنحه صفة مستقلة وكيانا بذاته وأطلقوا عليه علم الجودة ...

لكن يحلو للناس الحديث عن الجودة خارج هذا المألوف ويؤرخون لها بطريقة زمنية مبتدئين من عهد الملك البابلي "حمورابي" قبل خمسة آلاف سنة حينما كان يُحكم بالموت على من يبني بيتا يسقط على ساكنيه، فأجبر البناؤون على اتباع وسائل أكثر دقة لمنع إنهيار الأبنية على رؤوس القاطنين بداخلها، وأتقن قدماء المصريين عدة مهن منها فن الإنشاءات المعمارية بدقة مذهلة متناهية، وقريبا منهم كان الإغريق والرومان، لكن الطفرة الكبرى في الجودة وتقدمها جاءت في عصر الإزدهار الإسلامي عندما أصبح إتقان الجودة مرتبطا بحزمة من الحوافز والمكافآت تضمنتها سلسلة من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة، وستكون الجودة في العصر الإسلامي موضوعا بذاته نفرد له مؤلف خاص بإذن الله تعالى.

إنتشرت مفاهيم الجودة وتطبيقاتها بعد ذلك وامتدت في أرجاء كثيرة من جوانب الحياة، وكان وجودها في مجال الصناعة ملموسا في العصر الحديث حيث ساعد على تقدمها في هذا الجانب رواد مجتهدون أمثال إدواردز ديمنج وجوزيف جوران وفيليب كروسبي وكاورو إيشيكاوا (وقد سبق وأن أفردت لهم كتاب خاص بهم بعنوان: رواد الجودة في العصر الحديث).

وكان عجيبا بل مستغربًا ان تواجه رحلة الجودة صعوبات وعثرات وربما قابلت رفضا وإنكارا، يتناقض مع تسليمنا بأنها من أساسيات ومكونات النفس البشرية، وهذا ما أثر في تأخير ركبها مرات ليست بالقليلة.    

لكن من سنن الكون الإنتشار والتقدم والبحث عن المفيد والنافع، فكان من الطبيعي أن تزحف الجودة لتغطي ما تبقى من أنشطة الحياة المعاصرة وعلى رأسها الرعاية الصحية وسلامة المرضى .

ندعو الله القدير أن ينفع بهذا الجهد وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم.